আরবী গল্প 10 টা
القصة الأولى: على أعتابِ المجهولِ ✦
لمَّا أرخى الليلُ سُدولَهُ على الرُّبى المتناثرةِ بينَ أوديةٍ سحيقةٍ وأغوارٍ متشابكةٍ، كانَ الفتى سَلْمانُ يَمتطي صهوةَ التأمُّلِ أكثرَ ممَّا يمتطي ظهرَ راحلتِهِ. ولم يكنْ شأنُهُ شأنَ مَن يُقَلِّبُ الطَّرفَ في ظواهرِ الأشياءِ، بل كانَ يغوصُ في لُجَجِ المعاني غوصَ الغوَّاصِ في قيعانِ البحارِ طلبًا للدُّرِّ المكنونِ. وكانَ كلَّما أمعنَ النَّظرَ في تلافيفِ الأقدارِ وتصاريفِ الأحوالِ، ازدادَ يقينًا بأنَّ وراءَ السُّتورِ أسرارًا لو انكشفَ بعضها لتضاءلتْ أمامَها عجائبُ الأساطيرِ.
وقد نزلَ ذاتَ مساءٍ بربوةٍ تترامى عندَ أطرافِها أشجارُ السَّروِ، وتتدافعُ عندَ سفوحِها الرِّياحُ كأنَّها جيوشٌ جرَّارةٌ لا تني عن الكَرِّ والفَرِّ. فبينما هو يُصغي إلى هسيسِ الأغصانِ وهمسِ الرِّيحِ، إذ لاحتْ لهُ من بعيدٍ هيئةُ شيخٍ قد أحدودبَ ظهرُهُ، غيرَ أنَّ في عينيهِ بريقًا يُشبهُ ومضَ البرقِ إذا شقَّ دياجيرَ الظُّلَمِ.
فدنا منهُ الفتى على حذرٍ، وما زالَ يُقلِّبُ الأمرَ على وجوهِهِ حتى سلَّمَ عليهِ، فردَّ الشيخُ السلامَ ردًّا مشوبًا بوقارِ الحكماءِ وسكينةِ العارفينَ. ثمَّ قالَ: «يا بُنيَّ، إنَّ مَن ركبَ متنَ الغرورِ غَرِقَ في أوَّلِ موجةٍ، ومَن جعلَ الحكمةَ زادَهُ بلغَ المرافئَ وإنْ تلاطمتْ حولَهُ الأعاصيرُ».
فأطرقَ سلمانُ مليًّا، وكأنَّ الكلماتِ قد تسلَّلتْ إلى أعماقِ روحِهِ تسلُّلَ الماءِ الزُّلالِ إلى التُّربةِ العطشى. ثمَّ انطلقَ الشيخُ يُحدِّثُهُ عن أممٍ بادَتْ آثارُها وبقيتْ أخبارُها، وعن رجالٍ شيَّدوا أمجادًا شاهقةً ثمَّ تهاوتْ كأنْ لم تغنَ بالأمسِ، وعن آخرينَ خَلَّدَهم الإخلاصُ وإنْ لم تُقمْ لهم الدُّنيا وزنًا.
ولمَّا انشقَّ عمودُ الصُّبحِ، التفتَ سلمانُ فلم يجدِ الشيخَ، كأنَّ الأرضَ قد ابتلعتْهُ أو أنَّ الضَّبابَ قد اختطفَهُ إلى عالَمٍ آخرَ. غيرَ أنَّ أثرَ حديثِهِ بقيَ راسخًا في الفؤادِ رسوخَ الجبالِ الرواسي، وأدركَ الفتى أنَّ رحلةَ البحثِ عن الحقيقةِ لا تبدأُ من الطُّرقاتِ، وإنَّما تبدأُ من أعماقِ النُّفوسِ.
✦ القصة الثانية: في متاهاتِ المرايا ✦
كانَتِ المدينةُ تضجُّ بالحركةِ ضجيجًا يُشبهُ هديرَ البحرِ إذا هاجَ وماجَ، وكانتِ الوجوهُ تتقاطعُ في الأسواقِ والساحاتِ تقاطعَ السُّحبِ في أفقٍ مضطربٍ. غيرَ أنَّ حازمًا، وهو شابٌّ نابهٌ، لم يكنْ يرى في ذلكَ كلِّهِ إلا مرايا متقابلةً تعكسُ صورًا لا تكادُ تستقرُّ على حالٍ.
فقد كانَ مولعًا بتقصِّي خفايا النُّفوسِ، يستجلي ما وراءَ الأقنعةِ، ويستنبطُ من زلَّاتِ الألسنِ ما يعجزُ عنهُ أربابُ الفراسةِ. وكانَ يقولُ: «إنَّ أكثرَ النَّاسِ يُحسنونَ صَنْعَ الأقنعةِ، ولكنَّهم يعجزونَ عن صيانةِ الحقائقِ المختبئةِ خلفَها».
وذاتَ يومٍ، دُعيَ إلى مجلسٍ حافلٍ بالأدباءِ والخطباءِ وأربابِ البيانِ، فتبارى القومُ في زخرفةِ العباراتِ وتنميقِ الألفاظِ حتى خُيِّلَ إلى السَّامعينَ أنَّ الحروفَ قد اكتستْ من الدِّيباجِ أفخرَهُ ومن الجواهرِ أنفسَها. غيرَ أنَّ حازمًا ظلَّ صامتًا يُراقبُ ولا يُعلِّقُ، ويستمعُ ولا يُجادلُ.
فلمَّا انفضَّ المجلسُ، اقتربَ منهُ شيخٌ وقورٌ وقالَ: «ما بالُكَ لم تُشاركِ القومَ؟». فابتسمَ ابتسامةً خفيفةً وقالَ: «رأيتُ كثيرًا من الألفاظِ تتلألأُ كالنجومِ، ولكنِّي قلَّما رأيتُ معنًى يضيءُ كالشمسِ». فأطرقَ الشيخُ إعجابًا وقالَ: «لقد وضعتَ يدَكَ على موضعِ الدَّاءِ؛ فإنَّ البلاغةَ إذا فارقَها الصِّدقُ كانتْ كالسَّرابِ يحسبُهُ الظمآنُ ماءً».
ثمَّ مضتِ الأيَّامُ، وإذا بحازمٍ يشهدُ تقلُّبَ الأحوالِ وتبدُّلَ الوجوهِ؛ فكم من ممدوحٍ صارَ مذمومًا، وكم من ذي جاهٍ أضحى منسيًّا، وكم من متواضعٍ رفعَهُ اللهُ بينَ الخلقِ. وحينئذٍ أيقنَ أنَّ الحياةَ مرآةٌ كبرى، لا تُظهرُ للمرءِ حقيقتَهُ إلَّا إذا وقفَ أمامَها مُجرَّدًا من أوهامِهِ.
فكانَ إذا خلا بنفسِهِ يُحاسبُها محاسبةَ الشريكِ لشريكِهِ، ويزنُ خواطرَها بميزانِ الحكمةِ، ويكبحُ جماحَها إذا استعصتْ، حتى صارَ قلبُهُ أشبهَ ببستانٍ تُسقى أشجارُهُ من عيونِ البصيرةِ، وتُظلِّلُهُ أغصانُ المعرفةِ، وتعبقُ في أرجائِهِ روائحُ السكينةِ واليقينِ.
القصة الثالثة: في رِحابِ المَتاهةِ الزَّمَنِيَّةِ ✦لمَّا استحكمَتْ حَلَكاتُ اللَّيلِ، وانسدلَتْ على الآفاقِ أستارُ السُّكونِ، كانَ مُصعبُ بنُ عاصمٍ جالسًا في زاويةٍ من زوايا مكتبةٍ عتيقةٍ، قد أكلَ الدَّهرُ على جدرانِها وشربَ، وتناوحتْ في أرجائِها رياحُ القرونِ الغابرةِ. وكانتِ الرُّفوفُ تتعانقُ فيها المجلَّداتُ الصُّفرُ تعانقَ الأحبَّةِ بعدَ طولِ فراقٍ، وكأنَّ كلَّ كتابٍ منها شاهدٌ على عصرٍ مضى، أو لسانٌ ينطقُ بما كتمتْهُ التواريخُ في مطاويها.
وكانَ الفتى مولعًا باستكناهِ خبايا المعاني، شديدَ النَّهَمِ إلى اقتناصِ شواردِ الفوائدِ، لا يقرُّ له قرارٌ إذا أشكلتْ عليهِ عبارةٌ أو استعصتْ عليهِ إشارةٌ. فكم طافَ بينَ بطونِ الأسفارِ يلتقطُ من لآلئِها ما تناثرَ، وكم أجهدَ فكرَهُ في استجلاءِ ما استغلقَ من مقاصدِ المصنِّفينَ، حتى غدا كأنَّهُ قد أُشربَ حبَّ العلمِ كما أُشربَتِ الأرضُ ماءَ الغيثِ بعدَ طولِ جَدْبٍ.
وبينما هو يقلِّبُ صفحاتِ مخطوطٍ نفيسٍ، إذا بعينِهِ تقعُ على عبارةٍ قد نُسجتْ من غرائبِ الألفاظِ وعويصِ التراكيبِ ما جعلَ ذهنَهُ يتعثَّرُ في شعابِها تعثُّرَ السَّالكِ في مفاوزَ موحشةٍ. فوقفَ عندها مليًّا، ثمَّ أعادَ النظرَ فيها كرةً بعدَ كرةٍ، غيرَ أنَّها ازدادتْ في عينِهِ غموضًا على غموضٍ، والتواءً على التواءٍ.
فقالَ في نفسِهِ: «إنَّ العلومَ بحارٌ متلاطمةُ الأمواجِ، وما أنا فيها إلَّا كراكبِ زورقٍ صغيرٍ تُنازعهُ العواصفُ من كلِّ جانبٍ». ثمَّ لم يلبثْ أن استغفرَ ربَّهُ من هذا الخاطرِ، وعادَ إلى النَّظرِ بعزيمةٍ لا تعرفُ الوهنَ، فإنَّ من طَرَقَ البابَ ولجَّ في الطَّرْقِ أوشكَ أن يُفتَحَ له.
ولمَّا أوشكَ الفجرُ أن يبزغَ، انقدحَ في ذهنِهِ من المعنى ما أزالَ غشاوةَ الإشكالِ، فكأنَّ الحروفَ قد انجلتْ عن أسرارِها، وكأنَّ العباراتِ قد أفصحتْ عمَّا كانتْ تُضمرُهُ من الدَّقائقِ واللطائفِ. فتهلَّلَ وجهُهُ سرورًا، وأيقنَ أنَّ لذَّةَ الظَّفَرِ بعدَ المعاناةِ لا تُدانيها لذَّةٌ، وأنَّ الحكمةَ لا تُلقي زمامَها إلى كلِّ أحدٍ، وإنَّما تُعطي قيادَها لمن صابرَ وثابرَ واحتملَ وعثاءَ الطريقِ.
فخرجَ من المكتبةِ وقد تنفَّسَ الصُّبحُ، وأخذتِ الطيورُ تُرتِّلُ أناشيدَها على أغصانِ الأشجارِ، فرأى الكونَ كلَّهُ كأنَّهُ كتابٌ مفتوحٌ، تتجلَّى في كلِّ صفحةٍ منهُ آيةٌ من آياتِ الحكمةِ، ودليلٌ من دلائلِ القدرةِ، وإشارةٌ إلى أنَّ وراءَ ظواهرِ الأشياءِ حقائقَ لا ينالُها إلَّا أصحابُ البصائرِ النَّافذةِ.
✦ القصة الرابعة: ظِلَالُ القَلْعَةِ المَهْجُورَةِ ✦
على سفحِ جبلٍ أشمَّ، تُداعبُ قمَّتَهُ السُّحبُ حينًا وتحتضنُهُ الضَّباباتُ حينًا آخرَ، كانتْ تنتصبُ قلعةٌ موغلةٌ في القِدَمِ، قد تآكلتْ بعضُ جدرانِها، وتصدَّعتْ أركانُها، غيرَ أنَّ مهابتَها لم تبرحْها، وكأنَّ الزَّمانَ على طولِ صروفِهِ لم يستطعْ أن ينتزعَ من ملامحِها سِماتِ العظمةِ والكبرياءِ.
وقد شاعَ بينَ النَّاسِ أنَّ في أروقتِها أسرارًا دفينةً، وأنَّ في سراديبِها من العجائبِ ما تُحارُ فيهِ العقولُ، فتسابقَ كثيرٌ من المغامرينَ إلى ارتيادِها، غيرَ أنَّ أكثرَهم عادَ بخُفَّيْ حُنَيْنٍ، وبعضُهم عادَ وقد زادَتْهُ الحيرةُ حيرةً، والاضطرابُ اضطرابًا.
وكانَ في المدينةِ شابٌّ يُدعى رَشيدًا، قد عُرفَ برصانةِ العقلِ ونفاذِ الفهمِ، فلم يكنْ ممَّن يُسارعونَ إلى تصديقِ كلِّ ما يُروى، ولا ممَّن يُنكرونَ كلَّ ما يجهلونَ. بل كانَ يزنُ الأمورَ بميزانِ التثبُّتِ، ويعرضُها على محكِّ البرهانِ، فما ثبتَ قبلَهُ، وما تهافتَ لفظَهُ.
فشدَّ رحالَهُ إلى القلعةِ ذاتَ صباحٍ، وقد عقدَ العزمَ على استكشافِ حقيقتِها. ولمَّا ولجَ أبوابَها العتيقةَ، أحسَّ كأنَّهُ قد عبرَ من عالمِ الواقعِ إلى عالمٍ آخرَ، تتجاورُ فيهِ الأشباحُ والذكرياتُ، وتتداخلُ فيهِ الحقيقةُ بالوهمِ. وكانتِ الرِّياحُ تعبثُ بالنوافذِ المحطَّمةِ، فتُحدِثُ أصواتًا تشبهُ أنينَ الشيوخِ أو حفيفَ الأرواحِ التائهةِ.
ومعَ توغُّلِهِ في دهاليزِ القلعةِ، أخذَ يلحظُ أنَّ أكثرَ ما نُسجَ حولَها من الأساطيرِ لم يكنْ إلَّا أوهامًا ضخَّمها الخيالُ، وزادَها تناقلُ الألسنِ تهويلًا. غيرَ أنَّهُ وجدَ في بعضِ زواياها آثارًا تدلُّ على أنَّها كانتْ يومًا مركزًا للعلمِ ومأوى للحكماءِ، وأنَّ رجالًا من ذوي الألبابِ قد أقاموا فيها ردحًا من الزَّمانِ يُصنِّفونَ ويبحثونَ ويُناقشونَ.
فجلسَ في إحدى قاعاتِها المتداعيةِ، وأخذَ يتأمَّلُ ما بقيَ من نقوشٍ وكتاباتٍ على الجدرانِ، فإذا فيها عباراتٌ تُذكِّرُ بفناءِ الدُّنيا، وتقلبِ الأحوالِ، وغدرِ الزَّمانِ بمن ركنَ إلى زخارفِهِ. فارتجفَ قلبُهُ، وشعرَ أنَّ تلكَ الأحجارَ الصَّامتةَ أبلغُ موعظةً من كثيرٍ من الخطبِ الرنَّانةِ.
وحينَ غادرَ القلعةَ عندَ الغروبِ، لم يحملْ معهُ كنزًا من الذَّهبِ ولا مخطوطًا نادرًا، ولكنَّهُ حملَ بصيرةً جديدةً؛ إذ أدركَ أنَّ أعظمَ الكنوزِ ليستْ ما يُدفنُ في باطنِ الأرضِ، وإنَّما ما يُودَعُ في أعماقِ العقولِ من حكمةٍ، وفي جنباتِ القلوبِ من يقينٍ، وأنَّ من عرفَ قدرَ الزَّمانِ لم يُبدِّدْ أنفاسَهُ في ملاحقةِ السرابِ.
القصة الخامسة: عِندَ مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ ✦كانَ الغروبُ ينسجُ بأشعَّتِهِ الأخيرةِ أثوابًا من الذَّهَبِ فوقَ التِّلالِ البعيدةِ، وكانتِ السَّماءُ تزدهي بألوانٍ متعانقةٍ كأنَّها لوحةٌ أبدعتْها يدُ الفنَّانِ الأعظمِ. وفي ذلكَ المساءِ الوادعِ، بلغَ سليمٌ مُفترقَ طُرُقٍ تتشعَّبُ منهُ المسالكُ في جهاتٍ شتَّى، فوقفَ متحيِّرًا لا يدري أيَّها يسلكُ، وأيَّها يتركُ.
ولم يكنِ الأمرُ أمرَ طريقٍ تُقطَعُ مسافتُهُ بالأقدامِ، وإنَّما كانَ طريقًا من طُرقِ الحياةِ، تتزاحمُ عندَ بداياتِهِ الآمالُ، وتتقاطعُ عندَ منعطفاتِهِ الرَّغباتُ، وتتنازعُهُ أصواتُ العقلِ والهوى. فكانَ كلَّما همَّ باختيارِ سبيلٍ اعترضتْهُ خواطرُ متباينةٌ، فتجذبُهُ إحداها إلى الأمامِ وتردُّهُ الأخرى إلى الوراءِ.
وبينما هو غارقٌ في لجَّةِ التردُّدِ، إذ أقبلَ شيخٌ وقورٌ تتهادى خُطاهُ على مهلٍ، وفي وجهِهِ سكينةُ من طالَتْ صحبتُهُ للأيَّامِ، وخَبِرَ تقلُّبَ الدُّهورِ. فلمَّا رأى ما بسليمٍ من الحيرةِ، قالَ لهُ: «يا بُنيَّ، إنَّ أكثرَ النَّاسِ لا يضلُّونَ لأنَّ الطَّريقَ خفيٌّ، بل لأنَّ أهواءَهم تُعمي أبصارَهم عن الطريقِ الواضحِ».
فقالَ سليمٌ: «وكيفَ أعرفُ السَّبيلَ الأقومَ؟». فقالَ الشيخُ: «اعرضْ كلَّ طريقٍ على ميزانِ الحقِّ، فما زادكَ قربًا من الفضيلةِ فخُذْ بهِ، وما ساقكَ إلى النَّدمِ فاتركْهُ ولو زيَّنتهُ لكَ الدُّنيا بزخارفِها». ثمَّ أضافَ: «إنَّ الرَّاشدينَ لا يختارونَ ما يُعجبُ أعينَهم أوَّلَ الأمرِ، وإنَّما يختارونَ ما يطمئنُّ إليهِ ضميرُهم عندَ آخرِ النِّهايةِ».
فأطرقَ سليمٌ طويلًا، ثمَّ أخذَ يُقلِّبُ كلامَ الشيخِ بينَ جوانحِهِ كما يُقلِّبُ الصَّائغُ جوهرةً نفيسةً بينَ يدَيْهِ. ولمَّا استقرَّ الرَّأيُ في قلبِهِ، انقشعتْ سحبُ الحيرةِ عن فكرِهِ، ورأى السَّبيلَ الذي ينبغي أن يسلكَهُ واضحًا كوضوحِ الفجرِ إذا انبثقَ بعدَ طولِ ظلامٍ.
ثمَّ مضى في طريقِهِ ثابتَ الخُطا، وقد أدركَ أنَّ الحياةَ ليستْ كثرةَ الطُّرُقِ، وإنَّما حسنُ اختيارِ الطريقِ، وأنَّ الإنسانَ قد يربحُ أشياءَ كثيرةً إذا تبعَ هواهُ، ولكنَّهُ قد يخسرُ نفسَهُ، أمَّا إذا انتصرَ على رغباتِهِ الجامحةِ فقد ربحَ أعظمَ انتصارٍ.
✦ القصة السادسة: حِكَايَةُ النَّهْرِ الصَّامِتِ ✦
كانَ هناكَ نهرٌ رقراقٌ يشقُّ طريقَهُ بينَ البساتينِ والحقولِ، فيمضي هادئًا لا يُحدِثُ ضجيجًا ولا يرفعُ صوتًا، وكأنَّهُ قد آثرَ الصَّمتَ على الكلامِ، والرُّكونَ إلى العملِ على الادِّعاءِ. وكانتِ الأشجارُ على ضفَّتَيْهِ تُلقي ظلالَها على مائِهِ الصَّافي، فتبدو كأنَّها تُصافحُ صورتَها المنعكسةَ في مرآةٍ من البلُّورِ.
وكانَ أهلُ القريةِ ينتفعونَ بهِ كلَّ يومٍ؛ فيسقونَ منهُ زروعَهم، ويملؤونَ منهُ أوعيتَهم، وتحيَا بهِ أراضيهم بعدَ أن كادتْ تذبلُ من العطشِ. غيرَ أنَّ أكثرَهم لم يكونوا يلتفتونَ إلى فضلِهِ، لأنَّهُ لم يكنْ يطلبُ منهم شكرًا، ولم يكنْ يُذكِّرُهم بعطائِهِ في كلِّ حينٍ.
وذاتَ عامٍ، انحبسَ المطرُ، وجفَّتْ بعضُ الجداولِ، وبدأتِ الأرضُ تشكو القحطَ والجفافَ. عندئذٍ أدركَ النَّاسُ قيمةَ ذلكَ النَّهرِ الذي كانوا يمرُّونَ بهِ كلَّ يومٍ دونَ أن يتفكَّروا في نعمتِهِ. فصاروا يراقبونَ جريانَهُ بعينِ الامتنانِ بعدَ أن كانوا يرونَهُ أمرًا مألوفًا لا يستحقُّ التأمُّلَ.
وفي مساءٍ هادئٍ، جلسَ فتىً صغيرٌ على ضفَّتِهِ، وأخذَ يتأمَّلُ مائَهُ الجاري، ثمَّ قالَ لأبيهِ: «يا أبتِ، لِمَ لا يتكلَّمُ هذا النَّهرُ عن فضلِهِ كما يفعلُ بعضُ النَّاسِ؟». فابتسمَ الأبُ وقالَ: «لأنَّ النَّهرَ يعلِّمُنا درسًا عظيمًا؛ فالأعمالُ الجليلةُ لا تحتاجُ دائمًا إلى ضجيجٍ، والخيرُ الصادقُ يمضي في طريقِهِ كما يمضي الماءُ إلى غايتِهِ».
فسكتَ الغلامُ وقد انفتحتْ أمامَهُ نافذةٌ جديدةٌ من الفهمِ، وأخذَ يُصغي إلى خريرِ الماءِ كأنَّهُ يستمعُ إلى حكمةٍ خفيَّةٍ لا تُقالُ بالألفاظِ. وشعرَ أنَّ كثيرًا من أعظمِ الدروسِ لا تُكتَبُ في الكتبِ، وإنَّما تُقرأُ في صفحاتِ الكونِ المفتوحةِ لمن أحسنَ النَّظرَ والتأمُّلَ.
ومضتِ الأيَّامُ، وبقيَ النَّهرُ يجري في سكينةٍ ووَقَارٍ، يُعطي ولا يمنُّ، وينفعُ ولا يتباهى، حتى صارَ رمزًا في أذهانِ أهلِ القريةِ لكلِّ إنسانٍ يُحسنُ إلى الآخرينَ دونَ أن ينتظرَ ثناءً أو جزاءً. وهكذا علَّمَهُم أنَّ أعظمَ العطاءِ ما كانَ خالصًا، وأجملَ الأعمالِ ما كانَ نافعًا وإنْ كانَ صامتًا.
القصة السابعة: نُورُ الوَحْيِ في قَصَصِ القُرآنِ ✦في ليلةٍ ساكنةٍ، كانَ طالبُ علمٍ شابٌّ يُقلِّبُ صفحاتِ المصحفِ بتدبُّرٍ عميقٍ، وقد ألقى على قلبِهِ سكونٌ عجيبٌ كأنَّهُ ظلٌّ من نورٍ ينسابُ بينَ الحروفِ. وكانَ كلَّما مرَّ بآيةٍ من آياتِ القصصِ القرآنيِّ، شعرَ أنَّ التاريخَ لا يُروى لمجرَّدِ الحكايةِ، بل يُنسجُ ليكونَ ميزانًا للقلوبِ ومصباحًا للعقولِ.
فوقفَ عندَ قصَّةِ يوسفَ عليهِ السَّلامُ، فتجلَّتْ أمامَ ناظريهِ صورةُ الصبرِ حينَ يُلقى في غيابتِ الجبِّ، ثمَّ يُباعُ بثمنٍ بخسٍ، ثمَّ يُمكَّنُ لهُ في الأرضِ بعدَ أن ذاقَ مرارةَ الابتلاءِ. وكأنَّ الآياتِ تُحدِّثُهُ بلسانٍ حيٍّ: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
ثمَّ انتقلَ بصرُهُ إلى قصَّةِ موسى عليهِ السَّلامُ، فوجدَ البحرَ ينشقُّ بأمرِ ربٍّ واحدٍ، والعصا تتحوَّلُ آيةً باهرةً، وفرعونَ يُغرقُ في لجَّةِ الطُّغيانِ، وكأنَّ الكونَ كلَّهُ ينحني لأمرِ الملكِ الجبَّارِ. فارتجفَ قلبُهُ وقالَ في نفسِهِ: «ما أعظمَ تدبيرَ اللهِ حينَ يأخذُ الظالمَ أخذَ عزيزٍ مقتدرٍ».
وبينَ تقليبِهِ للآياتِ، أدركَ أنَّ القصصَ القرآنيَّ ليسَ سردًا زمنيًّا، بل هو بناءٌ عقديٌّ تربويٌّ يُعيدُ تشكيلَ الإنسانِ من داخلِهِ، فيزرعُ فيهِ اليقينَ، ويُزيلُ منهُ الشكَّ، ويُقيمُ في قلبِهِ ميزانَ الحقِّ. فكلُّ آيةٍ كانتْ كأنَّها سهمٌ من نورٍ يخترقُ ظلماتِ الغفلةِ.
فلمَّا أطبقَ المصحفَ، كانَ قد خرجَ منهُ وليسَ هو الذي دخلَ؛ خرجَ بقلبٍ أبصرَ ما لم يكنْ يُبصرُ، وعقلٍ فهمَ أنَّ وراءَ كلِّ حدثٍ حكمةً، وأنَّ وراءَ كلِّ ابتلاءٍ رحمةً، وأنَّ تاريخَ الأنبياءِ ليسَ ماضيًا يُروى، بل منهجٌ يُتلى إلى يومِ القيامةِ.
✦ القصة الثامنة: في رَوْضَةِ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ ✦
جلسَ شيخٌ مُسنٌّ في حلقةٍ صغيرةٍ، وحولَهُ طلابُ علمٍ كأنَّهم نجومٌ متقاربةٌ في سماءِ الوقارِ، ينهلونَ من معينِ السُّنَّةِ النبويَّةِ العذبةِ. وكانَ الشيخُ إذا ذكرَ حديثًا عن رسولِ اللهِ ﷺ تغيَّرَ صوتُهُ، وارتجفَتْ نبراتُهُ، كأنَّهُ لا ينقلُ كلماتٍ، بل ينقلُ نورًا من صدرِ الزَّمانِ الأولِ.
فقالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «من سلكَ طريقًا يلتمسُ فيهِ علمًا سهَّلَ اللهُ لهُ بهِ طريقًا إلى الجنَّةِ». فارتجَّ المجلسُ بخشوعٍ، وكأنَّ الجدرانَ نفسها أصغتْ، وكأنَّ الهواءَ توقَّفَ احترامًا لذكرِ الحبيبِ ﷺ.
ثمَّ شرعَ يشرحُ لهم دقائقَ المعاني، ويُبيِّنُ لهم أسرارَ الألفاظِ، ويُفرِّقُ بينَ دقائقِ الفقهِ ومراقي الفهمِ، حتى غدتِ الأحاديثُ كأنَّها أنهارٌ تتفرَّعُ من بحرٍ واحدٍ لا ينضبُ. وكانَ يُردِّدُ: «إنَّ الحديثَ ليسَ روايةً تُحفظُ فقط، بل هدايةٌ تُفهمُ، وسلوكٌ يُتَّبعُ، وأدبٌ يُترجمُ في حياةِ المؤمنِ».
وبينما الطلابُ يستمعونَ، كانَ أحدُهم يُحدِّثُ نفسَهُ قائلاً: «ما أعظمَ هذا النورَ الذي وصلَ إلينا عبرَ رجالٍ صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليهِ، فحفظوا الأسانيدَ كما تُحفظُ الجواهرُ، وصانوا السُّنَّةَ كما تُصانُ الأرواحُ».
ولمَّا انفضَّ المجلسُ، بقيَ في القلوبِ أثرٌ لا يُمحى، كأنَّ الحديثَ النبويَّ قد غرسَ فيهم شجرةً جذورها في الإيمانِ، وفروعُها في السلوكِ، وثمرُها في الآخرةِ. فعلموا أنَّ من تمسَّك بالسُّنَّةِ فقد تمسَّك بحبلٍ لا ينقطعُ، وبنورٍ لا يَخبو، وبهدايةٍ لا تضلُّ.
القصة التاسعة: سَهَرُ الطَّلَبِ وَمِحْرَابُ الكُتُبِ ✦كانَ شابٌّ يُدعى عَبْدُ الرَّحيمِ قد نذرَ نفسَهُ للعلمِ نذرَ صدقٍ لا رجعةَ فيهِ، فتركَ لذَّاتِ النَّومِ، وأعرضَ عن مجالسِ اللَّهوِ، واتَّخذَ من الكتبِ رفيقًا ومن الأقلامِ سلاحًا. وكانَ إذا أرخى الليلُ سدولَهُ، وأخلدَ النَّاسُ إلى الرقادِ، قامَ هو بينَ رفوفِ المكتبةِ كالعابدِ في محرابِه، يُقلِّبُ صفحاتِ الفقهِ، ويغوصُ في دقائقِ الأصولِ، ويُراجعُ شواردَ النحوِ والصرفِ.
وكانَ يقولُ لنفسِهِ إذا اشتدَّ عليهِ السهرُ: «إنَّ طريقَ العلمِ محفوفٌ بالمكارهِ، ومَن أرادَ اللآلئَ وجبَ عليهِ أن يغوصَ في أعماقِ البحرِ». فكانَ يُكابدُ النُّعاسَ كأنَّهُ عدوٌّ يُنازعهُ، ويُصارعُ الفتورَ كأنَّهُ جبلٌ يريدُ أن يثبُتَ أمامَهُ. وربَّما مرَّتْ عليهِ ليالٍ لا يذوقُ فيها طعمَ الرَّاحةِ، ولا يضعُ جنبَهُ على فراشٍ إلا يسيرًا.
ومعَ ذلكَ، لم يكنْ علمُهُ سطحيًّا، بل كانَ يُدقِّقُ في العباراتِ تدقيقَ الصَّرَّافِ في الدَّنانيرِ، ويُمحِّصُ الأقوالَ تمحيصَ النَّاقدِ البصيرِ، ويُوازنُ بينَ الرواياتِ والأدلَّةِ كمن يقفُ على ميزانٍ دقيقٍ لا يَقبلُ الميلَ ولا الانحرافَ. فإذا أشكلَ عليهِ مسألةٌ، أعادَ النَّظرَ فيها مرارًا حتى تنكشفَ لهُ كالشمسِ في رابعةِ النَّهارِ.
فلمَّا مضتْ أعوامٌ، صارَ يُشارُ إليهِ بالبنانِ في مجالسِ العلمِ، وأصبحَ مرجعًا في دقائقِ المسائلِ ومعضلاتِها، غيرَ أنَّهُ لم ينسَ ليالي السهرِ، ولا تعبَ المطالعةِ، بل كانَ يقولُ: «ما وصلتُ إلى ما أنا فيهِ إلا بدموعِ السهرِ، وصبرِ التكرارِ، وطولِ الملازمةِ للكتبِ».
وهكذا تبيَّنَ أنَّ العلمَ لا يُعطى على طبقٍ من ذهبٍ، بل يُنتزعُ انتزاعًا من بينِ لذَّاتِ الرَّاحةِ ومغرياتِ الدُّنيا، وأنَّ من صبرَ ظفرَ، ومن جدَّ وجدَ، ومن سهرَ نالَ ما لا ينالهُ الكسولُ وإنْ طالَ عمرُهُ.
✦ القصة العاشرة: مِيزَانُ المَسَائِلِ وَسِرُّ التَّحْقِيقِ ✦
كانَ فقيهٌ شابٌّ يُدعى نُورُ الدِّينِ قد شُغفَ بمسائلِ العلمِ شغفًا جعلهُ لا يقرُّ لهُ قرارٌ إذا عرضَتْ لهُ نازلةٌ أو إشكالٌ. فكانَ إذا سمعَ مسألةً دقيقةً، لم يُسارعْ إلى الجوابِ، بل يُمسكُها إمساكَ الباحثِ عن جوهرٍ ثمينٍ قد تفرَّقَتْ أجزاؤُهُ في الرمالِ.
وكانَ يخلُو بنفسِهِ بينَ دفاترِ الفقهِ والأصولِ، ويُقلِّبُ أقوالَ العلماءِ المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ، ويجمعُ أطرافَ المسألةِ من مظانِّها، كأنَّهُ ينسجُ خريطةً دقيقةً لموضعٍ مجهولٍ في بحرٍ متلاطمٍ. فلا يكتفي بالنَّقلِ، بل يتعدَّاهُ إلى الفهمِ، ولا يقفُ عندَ الظاهرِ، بل يغوصُ إلى المقاصدِ والعللِ.
وكانَ يقولُ: «إنَّ الفتوى أمانةٌ، ومَن تكلَّمَ في دينِ اللهِ بغيرِ تثبُّتٍ فقد ركبَ متنَ خطرٍ عظيمٍ». وربَّما بقيَ الليالي الطِّوالَ في مسألةٍ واحدةٍ، يُقارنُ بينَ النصوصِ، ويُدقِّقُ في الدلالاتِ، ويُفتِّشُ في كلامِ الأئمَّةِ، حتى يخرجَ برأيٍ مطمئنٍّ إليهِ القلبُ قبلَ اللِّسانِ.
وقد ابتُليَ يومًا بمسألةٍ عويصةٍ اختلفتْ فيها الأنظارُ، وتباينتْ فيها الأقوالُ، حتى اضطربتْ فيها أفهامُ بعضِ المتعجِّلينَ. فاعتزلَ النَّاسَ أيَّامًا، لا يُرى إلا بينَ الكتبِ، ولا يُسمعُ منهُ إلا همسُ التَّفكيرِ. ثمَّ خرجَ بعدَ طولِ تأمُّلٍ وقد استقرَّ في ذهنِهِ ميزانٌ دقيقٌ، فرجَّحَ قولًا على آخرَ بدليلٍ محكمٍ وتعليلٍ راسخٍ.
فلمَّا سُئلَ عن سببِ هذا التَّحريرِ المتقنِ، قالَ: «إنَّ العلمَ ليسَ كثرةَ معلوماتٍ، بل حسنُ ترتيبٍ، وصبرٌ على البحثِ، وخشيةٌ من القولِ على اللهِ بلا علمٍ». فعلمَ الناسُ أنَّ الفقيهَ الحقَّ هو مَن جمعَ بينَ سعةِ الاطلاعِ، ودقَّةِ الفهمِ، وطولِ المراجعةِ، وخوفِ اللهِ تعالى.
Comments
Post a Comment