الْحَمْدُ لِلَّهِ أَفْضَلُ أَمْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ؟

 الْحَمْدُ لِلَّهِ أَفْضَلُ أَمْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ؟

بقلم: محمد منير الزمان طلحة

المقدمة

من المسائل المشهورة بين طلاب العلم: أيهما أفضل؟ قول "الْحَمْدُ لِلَّهِ" أم "لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ"؟ وكلاهما من الذكر العظيم، وكل منهما له فضله ومكانته في الشرع. ولكن ظهرت بعض الروايات التي توهم أن أحدهما أفضل مطلقًا من الآخر. فهل هذا التفضيل مطلق أم نسبي؟ وهل يصح التفضيل أصلًا؟ سنناقش هذا تفصيلًا مع الأدلة من الكتاب والسنة وآراء العلماء.

التمهيد: تعريف العبارتين وفضلهما

١. لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ:

كلمة التوحيد، أعظم كلمة في الإسلام، وهي أساس الدين، قال النبي ﷺ: «أفضل الذكر: لا إله إلا الله» – رواه الترمذي (3377) وحسنه الألباني.

٢. الْحَمْدُ لِلَّهِ:

من أفضل الأذكار أيضًا، بل ورد في حديث: «الحمد لله تملأ الميزان» – رواه مسلم (223).

الدليل الذي قد يُظن فيه تفضيل "الحمد لله"

جاء في حديث عند الترمذي (2925) عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله»

وقد أخرجه أيضًا ابن ماجه (3800) وقال الترمذي: حديث حسن غريب.

الشرح:

يُفهم من ظاهر الحديث أن: "لا إله إلا الله" أفضل ما يُذكر، و"الحمد لله" أفضل ما يُدعى به. فلا تعارض بين الفضلين لأن الذكر غير الدعاء. قال الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح (ج٥/ص٣٧٤):
«أفضل الذكر لا إله إلا الله» لكونه كلمة التوحيد، «وأفضل الدعاء الحمد لله»؛ لأنها تتضمن الثناء، والثناء أفضل من الطلب.

أقوال العلماء في المسألة

١. الإمام النووي:

قال في شرح صحيح مسلم (ج٢/ص٣٢):
«لا تعارض بين الأحاديث، لأن كل ذكر له فضل بحسب مقامه»

٢. الحافظ ابن حجر:

قال في فتح الباري (ج١١/ص٢٠٨):
«المراد أن لا إله إلا الله أفضل من حيث الجملة لأنها أصل الدين، والحمد لله أفضل من جهة الثناء»

هل الأفضلية مطلقة أم مقيدة؟

ذهب جمهور العلماء إلى أن التفضيل نسبي لا مطلق، أي أن:

  • "لا إله إلا الله" أفضل من جهة العقيدة والتوحيد.
  • "الحمد لله" أفضل من جهة الشكر والثناء.

خاتمة الجزء الأول

يتبين لنا أن كل من "الحمد لله" و"لا إله إلا الله" له مكانته، ولا يصح تفضيل أحدهما بإطلاق، بل الأفضلية بحسب المقام والنية. وفي الجزء التالي، سنناقش المزيد من الروايات التي قد توهم التفضيل، مع تحليل دقيق من أقوال العلماء المتقدمين والمعاصرين، وبيان القول الراجح.


أدلة أخرى ظاهرها التفضيل

ورد في حديث عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت» - رواه مسلم (2137).

وفي حديث آخر عن أبي هريرة مرفوعًا: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» - متفق عليه.

ففي هذه الأحاديث بيان أن كل أنواع الذكر لها فضيلة، وأن التفضيل يكون من جوانب معينة.

أقوال العلماء المتقدمين

١. ابن القيم رحمه الله:

قال في الوابل الصيب (ص: 82)"لا إله إلا الله" هي مفتاح الجنة وأساس الإسلام، وهي الكلمة التي قامت بها السماوات والأرض، ولا شيء يعدلها.

٢. ابن تيمية رحمه الله:

قال في الفتاوى الكبرى (ج5/ص110)الكلام في فضائل الأذكار لا يكون بإطلاق، بل بحسب حال الذكر وحال الذاكر ومقامات الأعمال.

٣. الإمام الشوكاني:

قال في نيل الأوطار (ج2/ص268)كل ذكر ثبت فضله بالنص فهو أفضل في موضعه، ولا تعارض بين الفضائل المختلفة.

أقوال العلماء المعاصرين

١. الشيخ ابن باز رحمه الله:

قال في مجموع الفتاوى (ج26/ص270)كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" أعظم الذكر، لكن "الحمد لله" له فضله ومقامه في مقام الشكر، وكل له مكانه.

٢. الشيخ الألباني رحمه الله:

قال في السلسلة الصحيحة (1/536)من الظلم للحديث أن تُفهم الأفضلية على إطلاقها، بل التفضيل يكون في باب معين.

التوفيق بين الروايات

الخلاصة من أقوال الأئمة: لا تعارض بين الأحاديث التي تثني على الذكر كله، و"لا إله إلا الله" أفضل في جانب العقيدة والتوحيد، و"الحمد لله" أفضل في مقام الشكر والثناء، و"سبحان الله" في مقام التنزيه.

خاتمة الجزء الثاني

نخلص إلى أن السؤال عن أي الذكرين أفضل لا يكون بإطلاق، بل كل ذكر له مقامه وفضله. وكثرة الذكر بأنواعه هو الأفضل على الإطلاق، كما قال تعالى: "وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ" [الأحزاب: 35]

المرحلة الثالثة: مواضعُ الخِلافِ ومناقشاتُ العلماءِ
قد تعددت أقوالُ العلماءِ في تفضيلِ أحدِ الذِّكرينِ على الآخر، وتباينت آراؤُهم بين التفضيلِ المطلقِ والتفصيلِ في المواطنِ. فمنهم من فضَّلَ قولَ لا إله إلا الله لكونها أصلَ الدينِ ومفتاحَ الجنةِ، كما روى الإمام مسلم في صحيحه (حديث رقم: 26): من قال لا إله إلا الله دخل الجنة.

ومنهم من فضَّلَ قولَ الحمد لله مستدلًّا بحديث النبي ﷺ: أفضلُ الذكرِ لا إله إلا الله، وأفضلُ الدعاءِ الحمدُ لله — رواه الترمذي (حديث رقم: 3383). ففصَّل بعضُهم بأنَّ الذكرَ الذي يتضمنُ التوحيدَ أعظمُ شأنًا من حيث العقيدة، وأما من حيث الشكرِ والثناءِ فـ"الحمد لله" أبلغُ في التعبير.

مواضعُ التقديمِ والتأخيرِ في استعمالِ الذِّكرَينِ
أشار العلماءُ إلى أن التفضيلَ قد يختلفُ باختلافِ الأحوالِ. فإذا كان المقامُ مقامَ توحيدٍ وتجديدِ إيمانٍ، فـ"لا إله إلا الله" أسبقُ وأولى. وإذا كان المقامُ مقامَ شكرٍ وامتنانٍ، فـ"الحمد لله" أنسبُ وأقوى.

قال الشيخُ ابن القيم رحمه الله في كتابه الوابل الصيب (ص: 135): وأما الحمد لله فهي رأسُ الشكر، ولا يكونُ العبدُ شاكرًا حتى يقولَ الحمدُ لله على نِعَمِه.

تحقيقٌ في الكتبِ المعاصرةِ والقديمةِ
قال الإمام النووي في الأذكار (ص: 17): كثرةُ الذكرِ مطلوبةٌ، وأفضلُها ما وافقَ المقامَ والحالَ.

وأكد الشيخُ السعدي في تفسيره لسورة الفاتحة: افتُتِحت بأفضلِ الدعاءِ: الحمدُ لله، ليدلَّ على أن أصلَ العبوديةِ هو الشكرُ والثناءُ.

وفي كتاب الذكر والدعاء للشيخ عبد الرزاق البدر (ص: 22) ذكرَ: التفضيلُ بين الأذكارِ لا يكونُ بإطلاقٍ، وإنما يُنظرُ فيه إلى نوعِ الذكرِ، ومناسبةِ المقامِ، والأثرِ القلبيِّ الناتجِ عنه.

خلاصةٌ واستنتاجٌ
لا ريبَ أن كِلا الذكرَينِ عظيمانِ في الفضلِ، ولكلِّ واحدٍ موضعُه الخاص. فمن نَظَرَ إلى بابِ التوحيدِ، فإن لا إله إلا الله أَفضَلُ؛ لأنها شعارُ الإسلامِ، وأساسُ الإيمانِ. ومن نظرَ إلى بابِ الشكرِ، فإن الحمد لله أَجمَعُ في الثناءِ.

ولذلك، يكونُ القولُ الفَصْلُ أنَّ الأفضليةَ ليستْ مطلقةً، بل هي بحسبِ الحالِ والمقامِ. فَـ"لا إله إلا الله" تُقَدَّمُ في مقامِ التوحيدِ، و"الحمد لله" تُقَدَّمُ في مقامِ الشكرِ.

دعاءٌ وختامٌ
نسألُ اللهَ العظيمَ أن يرزقَنا الإكثارَ من ذكرِه، وأن يجعلَنا من الذاكرينَ اللهَ كثيرًا والذاكراتِ. وأن يُثبِّتَنا على لا إله إلا الله، ويجعلَ الحمدَ لله على ألسنتِنا دائمًا.

كتبه: محمد منير الزمان طلحة

Comments

Popular posts from this blog

“দ্বীনের দীপ্তি: ইসলামের মূল শিক্ষা”

স্মৃতির প্রাঙ্গণ ও মাধুর্যের ঋণ

📘 প্রথম সাময়িক পরীক্ষার প্রস্তুতি